ياقوت الحموي

8

معجم البلدان

وحر شديد وسموم في تلك الرمال ، فنظر إلى الشمس مضحية راكدة على قمم الرؤوس وقد صهرت الناس فقال مشيرا إلى الشمس : أما والله لئن عززت في هذا المكان لطا لما رأيتك ذليلة بتاهرت ! وأنشد : ما خلق الرحمن من طرفة ، أشهى من الشمس بتاهرت وذكر صاحب جغرافيا أن تاهرت في الإقليم الرابع ، وأن عرضها ثمان وثلاثون درجة ، وهي مدينة جليلة ، وكانت قديما تسمى عراق المغرب ، ولم تكن في طاعة صاحب إفريقية ولا بلغت عساكر المسودة إليها قط ، ولا دخلت في سلطان بني الأغلب ، وإنما كان آخر ما في طاعتهم مدن الزاب ، وقال أبو عبيد : مدينة تاهرت مدينة مسورة لها أربعة أبواب : باب الصفا وباب المنازل وباب الأندلس وباب المطاحن ، وهي في سفح جبل يقال له جزول ، ولها قصبة مشرفة على السوق تسمى المعصومة ، وهي على نهر يأتيها من جهة القبلة يسمى مينة ، وهو في قبلتها ، ونهر آخر يجري من عيون تجتمع يسمى تاتش ، ومنه شرب أهلها وأرضها ، وهو في شرقيها ، وفيها جميع الثمار ، وسفر جلها يفوق سفرجل الآفاق حسنا وطعما ، وهي شديدة البرد كثيرة الغيوم والثلج ، قال بكر بن حماد أبو عبد الرحمن ، وكان بتاهرت من حفاظ الحديث وثقات المحدثين المأمونين ، سمع بالمشرق ابن مسدد وعمرو بن مرزوق وبشر بن حجر ، وبإفريقية ابن سحنون وغيرهم ، وسكن تاهرت وبها توفي ، وهو القائل : ما أخشن البرد وريعانه ، وأطرف الشمس بتاهرت تبدو من الغيم ، إذا ما بدت ، كأنها تنشر من تخت فنحن في بحر بلا لجة ، تجري بنا الريح على سمت نفرح بالشمس ، إذا ما بدت ، كفرحة الذمي بالسبت قال : ونظر رجل إلى توقد الشمس بالحجاز فقال : أحر في ما سئت ، والله إنك بتاهرت لذليلة ، قال : وهذه تاهرت الحديثة ، وهي على خمسة أميال من تاهرت القديمة ، وهي حصن ابن بخاثة ، وهو شرقي الحديثة ، ويقال إنهم لما أرادوا بناء تاهرت القديمة كانوا يبنون بالنهار ، فإذا جن الليل وأصبحوا وجدوا بنيانهم قد تهدم ، فبنوا حينئذ تاهرت السفلى ، وهي الحديثة ، وفي قبلتها لواتة وهو ارة في قرارات وفي غربيها زواغة وبجنوبيها مطماطة وزناتة ومكناسة . وكان صاحب تاهرت ميمون بن عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن رستم بن بهرام ، وبهرام هو مولى عثمان بن عفان ، وهو بهرام بن بهرام جور بن شابور بن باذكان بن شابور ذي الأكتاف ملك الفرس ، وكان ميمون هذا رأس الإباضية وإمامهم ورأس الصفرية والواصلية ، وكان يسلم عليه بالخلافة ، وكان مجمع الواصلية قريبا من تاهرت ، كان عددهم نحو ثلاثين ألفا في بيوت كبيوت الاعراب يحملونها . وتعاقب مملكة تاهرت بنو ميمون وإخوته ، ثم بعث إليهم أبو العباس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب أخاه الأغلب ، ثم قتل من الرستمية عددا كثيرا وبعث برؤوسهم إلى أبي العباس أخيه ، وطيف بها في القيروان ، ونصبت على باب رقادة ، وملك بنو رستم تاهرت مائة وثلاثين سنة . وذكر محمد بن يوسف بن عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن رستم ، وكان خليفة لأبي الخطاب عبد